الغزالي

46

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

عقولهم ، فقال الملك : قولوا له يأخذ بدلا مني ، وعوضا عني . فقال : ما آخذ إلّا أنت ، ولا أتيت إلّا لأجلك لأفرّق بينك وبين هذه النعم التي خولتها . فقال : لعن اللّه هذا المال الذي غرّني وأضرّني ، ومنعني عن عبادة ربي وكنت أظن أنه ينفعني ، فاليوم صار حسرتي وبلائي ، وخرجت صفر اليدين منه وبقي لأعدائي . فأنطق اللّه المال حتى قال : لأي شيء تلعنني ؟ العن نفسك ! فإن اللّه تعالى خلقني وإياك من تراب ، وجعلني في يدك لتتزوّد بي إلى آخرتك ، وتتصدّق بي على الفقراء ، وتتزكّى بي على الضعفاء ، ولتعمر بي الربط والمساجد والجسور والقناطر ، لأكون لك عونا في اليوم الآخر ، وأنت جمعتني وخزنتني ، وفي هواك أنفقتني ، ولم تشكر حقي بل كفرتني ، فالآن تركتني لأعدائك ، وأنت بحسرتك وضرائك ؛ فأي ذنب لي حتى تلعنني ؟ ثم إن ملك الموت قبض روحه قبل أكل الطعام ، فسقط عن سريره صريع الحمام . الحكاية الثالثة : قال يزيد الرقاشي : كان في زمن بني إسرائيل جبّار من الجبابرة ، وكان في بعض الأيام جالسا على سرير ملكه فرأى رجلا قد دخل من باب الدار ذا صورة منكرة وهيئة هائلة ؛ فلشدّة خوفه من هجومه ، وهيبة قدومه ، وثب في وجهه وقال : من أنت أيها الرجل ؟ ومن أمرك بالدخول إلى داري ؟ فقال : صاحب الدار ، وأنا الذي لا يحجبني حاجب ، ولا أحتاج في دخولي على ملك إلى إذن ، ولا أرهب من سياسة سلطان ، ولا يفزعني جبّار ، ولا لأحد من قبضي فرار . فلمّا سمع هذا الكلام خرّ على وجهه ، ووقعت الرعدة في جسده ، فقال له : أنت ملك الموت ؟ قال : نعم . قال : أقسم باللّه عليك إلا ما أمهلتني يوما واحدا لأتوب من ذنبي ، وأطلب العذر من ربي ، وأردّ الأموال التي أودعتها خزانتي ، فلا أتحمّل مشقّة عذابها في الآخرة . فقال : كيف أمهلك ، وأيام عمرك محسوبة ، وأوقاته مثبوتة مكتوبة ؟ فقال : أمهلني ساعة . فقال : إن الساعات في الحساب ، وقد عبرت وأنت غافل ، وقد استوفيت أنفاسك ولم يبق لك نفس واحد . فقال : من يكون عندي ، إذا نقلتني إلى لحدي ؟ قال : لا يكون عندك سوى عملك . فقال : ما لي عمل . قال : لا جرم يكون مقيلك إلى النار ، ومصيرك إلى غضب الجبّار . ثم قبض روحه فخرّ من سريره ووقع ، وعلا الضجيج من أهل مملكته وارتفع ، ولو علموا ما يصير إليه من سخط ربّه لكان بكاؤهم أكثر وعويلهم أوفر . الحكاية الرابعة : يقال إن ملك الموت دخل على سليمان بن داود عليهما السلام ، فجعل يحدّ نظره ويطيل بصره إلى رجل من ندمائه ، فلمّا خرج قال ذلك الرجل : يا نبي اللّه من